الشنقيطي
142
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أَنْفُسَهُمْ [ النساء : 49 ] ، إنما هو بمعنى المدح والثناء ، كما في قوله تعالى : * قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [ الحجرات : 14 ] ، بل إن في قوله تعالى : بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ( 49 ) [ النساء : 49 ] ، الجمع بين الأمرين ، القدري والشرعي ، بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ بفضله ، وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ( 49 ) بعدلة . واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها ( 11 ) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها ( 12 ) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها ( 13 ) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها [ 11 - 14 ] . ثمود : اسم للقبيلة أسند إليها التكذيب ، أي بنبي اللّه صالح ، وأشقاها هو عاقر الناقة أسند الانبعاث له وحده بين ما جاء بعده ، فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها [ الشمس : 14 ] ، فأسند العقر لهم . وقد تقدم للشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه الجمع بين ذلك في سورة الزخرف ، ومضمونة أنهم متواطؤون معه كما في قوله : فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ [ القمر : 29 ] ، فكانوا شركاء له في عقرها ، كما قال الشاعر : والسامع الذم شريك لقائه * ومطعم المأكول شريك للآكل وفي قصة أبي طلحة في صيد الحمار الوحشي ، سألهم النّبي صلى اللّه عليه وسلم وهم محرمون للعمرة « هل دله عليه منكم أحد ؟ قالوا : لا ، قال : هل عاونه عليه منكم أحد ؟ قالوا : لا ، قال : فكلوا إذا » ، لأن مفهومه : لو عاونوا أو دلوا لكانوا شركاء في صيده ، فيحرم عليهم لقوله تعالى : لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [ المائدة : 95 ] ، وبعدم اشتراكهم حل لهم ، فلو عاونوا أو شاركوا لحرّم عليهم ، وهنا لما كانوا راضين ونادوه وتعاطى سواء عهودهم أو عطاؤهم أو غير ذلك فعقرها وحده ، كان هذا باسم الجميع ، فكانت العقوبة باسم الجميع ، ويؤخذ من هذا قتل الجماعة بالواحد ، وعقوبة الربيئة مع الجاني ، واللّه تعالى أعلم .